الشنقيطي

61

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) [ 42 ] . الحق الذي لبسوه بالباطل هو إيمانهم ببعض ما في التوراة . والباطل الذي لبسوا به الحق : هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له ، كصفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وغيرها مما كتموه وجحدوه ، وهذا يبينه قوله تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [ البقرة : 85 ] الآية - ، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما تقدم . قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ 45 ] . الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة لا إشكال فيها . وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة ، فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه ، فذكر أن من نتائج الاستعانة بها : النهي عما لا يليق وذلك في قوله : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] وأنها تجلب الرزق ، وذلك في قوله : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) [ طه : 132 ] ؛ ولذا كان صلّى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة . وإيضاح ذلك : أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه ، هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند اللّه ، ورهبة منه ، فيتباعد عن كل ما لا يرضي اللّه ، فيرزقه اللّه ويهديه . قوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ 46 ] الآية . المراد بالظن هنا اليقين ، كما يدل عليه قوله تعالى : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) [ البقرة : 4 ] ، وقوله : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) [ المؤمنون : 60 ] . قوله تعالى : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [ 48 ] الآية - . ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقا يوم القيامة . ولكنه بين في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار ، والشفاعة لغيرهم ، بدون إذن رب السماوات والأرض . أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب ، والسنة والإجماع . فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] ، وقد قال : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] ، وقال تعالى عنهم مقررا له : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) [ الشعراء : 100 ] ، وقال : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) [ المدثر : 48 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقال في الشفاعة بدون إذنه : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] ، وقال : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ( 26 ) [ النجم : 26 ] . وقال : يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ